جمعية الباقيات الصالحات | عبلة الكحلاوي (١٥ديسمبر ١٩٤٨)، داعية إسلامية مصرية
جمعية الباقيات الصالحات | عبلة الكحلاوي (١٥ديسمبر ١٩٤٨)، داعية إسلامية مصرية

تبرع الان

جمعية الباقيات الصالحات | عبلة الكحلاوي (١٥ديسمبر ١٩٤٨)، داعية إسلامية مصرية

"ملك في منفى العمر "

2017-11-25

 “ملك في منفى العمر” .. حينما يتيه الإنسان وتدور الأسرة في دوامات “الزهايمر” !

في رواية (ملك في منفى العمر) للكاتب النمساوي “أرنو غايغر”، ترجمة “صلاح هلال”، إصدار “مؤسسة هنداوي” 2015، يكتب “غايغر” عن والده الذي أصيب بمرض “الزهايمر” واستمر معه أكثر من عشر سنوات، وكيف أثر ذلك على الأسرة وعليه هو ككاتب وابن.

الشخصيات..

البطل: الذي لا يذكر أسمه ويتضح أنه هو الكاتب نفسه يروي عن حياته، وعن الأسرة.

أوغوست غايغر: الأب هو بطل الحكاية.. يحكي عنه الراوي بصيغة الغائب ويذكر أسمه.

باقي شخصيات الأسرة يحكي عنهم الراوي في تقاطعهم مع الأب والابن، ووفقاً لإستجابتهم لمرض “الزهايمر”، ويحكي أيضاً عن أسرة أبيه وكيف تربى في الطفولة.

الراوي..

يحكي عما يراه ويعرفه فقط وينقل آراء الآخرين، لكنه لا يهتم بوصف دواخلهم وأفكارهم ومشاعرهم الداخلية.

السرد..

الرواية مكونة من 135 صفحة من القطع المتوسط، الحكي فيها بطيء الإيقاع، يتنقل بين الماضي والحاضر، يركز على موضوع واحد وهو مرض “الزهايمر” وطريقة إستجابة الأب معه، ويكتب مقتطفات من حوارات مع أبيه في بداية الفصول، التي تبلغ 12 فصل.

حياة هادئة ورتيبة..

شخصية الأب منعزلة وإنطوائية، ينتمي لعائلة من الفلاحين وكان له كثير من الأشقاء، أعتاد على العمل ومساعدة الأسرة منذ الطفولة، ثم ذهب وهو في عمر المراهقة إلى الحرب ورأى أهوالها وأستطاع أن يعود بأعجوبة إلى بيته، ومنذ عودته إلى بلدته أصبح منعزلاً.. عمل كاتباً في إحدى الشركات وتزوج من فتاة تعمل مدرسة وأنجب أربع أطفال.. كان أباً جيداً لكنه كان معزولاً لا يحب السفر، وكان يعيش روتيناً يومياً لا يحب أن يغيره، ومع الوقت وكبر الأطفال زاد إنعزاله عنهم وانسحابه من الإندماج في حياتهم؛ مما خلق فجوات في علاقته بأبنائه، يحكي الكاتب أنه كان بعيداً عن أبيه، وأنه في فترة مراهقته كان يحقد على أبيه وعلى إنعزاله وابتعاده عن الإنخراط في شؤونه، ثم كبر الأبناء وأنطلق كل منهم في بناء حياته، وكان أبيهم بالنسبة لهم ذلك الرجل الذي يقضي يومه في ورشته الخاصة الملحقة بالمنزل، والذي يقوم بأعمال لا تخصهم.

بني “أوغوست غايغر” منزله في شبابه، حيث أعطاه والده قطعة أرض قريبة من منزل العائلة، وبنى المنزل بنفسه وظل طوال سنوات حياته يعدل فيه ويضيف غرف ويعيد تخطيطه، وحين أوشك على الوصول إلى الثمانين أصيب بمرض “الزهايمر” وأصبح يشعر بالغربة في منزله، وكان يطلب من أهله أن يتركوه يعود إلى بيته لأنه لا يتذكر شيء.

المرض منفى..

حين أصيب الأب بهذا المرض لم يصرح لأبناءه بذلك؛ ربما لأنه هو نفسه كان لا يعلم بأمر المرض، لكن مع تكرار بعض الحوادث الغريبة إنتبه الأبناء أنه مرض “الزهايمر”، حين أصيب به الأب لم يبد إنزعاجاً؛ وإنما تعامل مع المرض باستسلام ورضى بأن تتدهور صحته قانعاً بأنه قضى حياة حافلة بالأعمال والإنجازات وحان وقت أن يتسريح ويترك كل شيء.

أما الأبناء فكانوا منزعجين منذ البداية، حين لاحظوا أن أبيهم أصبح ينسى كثيراً ويقوم ببعض الأمور المضحكة والسخيفة، مثل أن يأكل طعاماً كثيراً لأنه ينسى أنه تناول الطعام؛ أو يضع أشياءه في الثلاجة؛ أو ينسى مكان الأشياء أو يخرج من المنزل ويضيع في الطريق، وسبب إنزعاجهم من التغييرات التي تحدث لأبيهم توتراً في الأسرة، خاصة بسبب أن كل منهم كانت له حياته الخاصة ومخططاته، وظلوا على هذه الحال شهور كثيرة إلا أن أنتبهوا أن والدهم أصيب بمرض خطير وأنه يفعل ذلك بسبب هذا المرض لا بسبب كسله كما كانوا يعتقدون، يحكي الأبن أنه هو نفسه كان يعتبر الأحداث السخيفة والغربية التي تحدث لوالده مصدر إزعاج له، وكان يعتقد أن سببها كسل والده، وكان يشعر بالسوء حين يضطر إلى الذهاب لقضاء بعض الأسابيع فيبيت أبيه للعناية به، وكان في ذلك الوقت في بداية حياته المهنية وكان يكتب روايات لكنه عندما علم أن والده مصاب بـ”الزهايمر” ندم على ذلك، وأحس أن والده يستحق الشفقة والرعاية وأصبح يرعى والده بدون إنزعاج.

تتبع الكاتب في حكيه حياة والده منذ كان طفلاً وروى كيف كان يقوم بأعمال مجهدة بالنسبة لطفل، هو وأشقاءه، من رعاية شؤون الأسرة، ثم كيف أثرت عليه الحرب وجعلت منه شخصاً منعزلاً وانطوائياً، وتسبب في إفشال زواجه أيضا حيث انفصلت الأم بعض أن كبر الأبناء واختارت لنفسها حياة أخرى، لكنها رغم ذلك كانت تساعدهم في رعاية الوالد.
أصبح الأب غريبا مع تقدم المرض وكان لا يتعرف على أبنائه وكان يعتقد دوما أن الكاتب هو أخوه وكان هو يرتاح لذلك لأنه على الأقل يعتبره واحدا من أقرباءه، ورغم ذلك لم يبد الوالد أي تأثر بأنه مرض بل على العكس كان يراوغ في كلماته حتى لا يتبين من حوله مدى فداحة المرض.

المرض يقرب الناس..

يصور الكاتب كيف قرب مرض والده بينه وبين أبناءه وخاصة هو، فقد تغلب على الفجوة التي حدثت بينه وبين والده في شبابه وأصبح أكثر تفهما لانعزال والده، وطوال عشر سنوات من المرض تقربت تلك الفجوة وأصبح يشعر أنه مسئول عن والده وأنه حتى في مرضه يعلمه أشياء كثيرة، وكان معجبا بطريقة تعامل والده مع المرض وأنه لم ينزعج ولم يرفض ولكن تقبل قدره في رضا وتعامل مع ما هو متاح له من الراحة.

رفض الأبناء أن يلحقوا والدهم ببيت للمسنين ووفروا له ممرضات للرعاية، ورغم أنهن كن يذهبن سريعا بسبب عدم قدرتهم على التعامل مع مريض للزهايمر وكونهن غير متخصصات في ذلك لكن الأبناء ظلوا يتمسكون بأن يظل والدهم في منزله ثم في السنوات الأخيرة رضوا بأن يتركوه في رعاية بيت للمسنين في داخل نفس البلدة، واستقرت حالته نسبيا، ويذكر الكاتب انه رغم مساويء مرض الزهايمر الكثيرة التي تعد منفى لصاحبه إلا أنه قرب ما بين الأسرة وساهم في إعادة تماسكها بعد أن اقتربت من التفكك.

لم تأتي فكرة كتابة رواية عن مرض الوالد ل”أرنو جايجر” إلا متأخرة، حينما أحس أنه يريد أن يخلد ذكرى والده وكان مرتعبا من فكرة موته، لكنه أكد في نهاية الرواية أنه يحب أن يكتب عن والده أثناء حياته لا بعد موته ولم يذكر متى مات والده.

الكاتب..

“أرنو جايجر” روائي نمساوي، درس الأدب واللغة الألمانية والتاريخ القديم والأدب المقارن بجامعتي إنسبروك وفيينا. وفي أكتوبر من عام ٢٠٠٥ حصل على جائزة الكتاب الألماني.




جمعية الباقيات الصالحات | جميع الحقوق محفوظة